طالبات بين الواقع وإنستغرام

لا أعرف من أين تأتي لزميلاتي في الجامعة هذه القدرة على تصنّع الأشياء، يلفت انتباهي كل يوم جانب جديد من تصنعهُن الغريب، مرة باللباس وأخرى بالابتسامات والأغرب من ذلك كله صنّع العُبس والكشرة المعروفة عن السكان في إسطنبول، لا أعرف حتى الآن لماذا كل هذه التصرفات لكن ما أعرفه أنهن بوضع غير طبيعي، أو أنهن في وضع طبيعي الآن ويتصنعن الفرح على إنستغرام فقط، في كلا الحالتين هناك حالة غير طبيعية مصطنعة تُفسد كل محاولة لأن أتقبل الاختلاط في هذا الوسط. (المزيد…)

البيقاوي 29

عند التأمل في ظروف غربتنا نجد أنفسنا نكبر بعيدًا عن أعين من نحب من أهل وأصحاب وهم كذلك يكبرون بعيدًا عنا، وهذا إذا ما أنصفنا غربتنا -التي قست علينا حتى قسونا على أنفسنا- نجده أسوأ ما فيها، فبعضنا شاهد أهله آخر مرة قبل أربع أو خمس سنوات، خلالها صارت التجاعيد في وجوه أمهاتنا تبدو أكثر مما كانت عليه عند آخر قُبلة وغزا الشيب شعر آبائنا أضعاف ما كان عليه عند آخر صورة تذكارية جمعتنا، لكن مازلنا نُراهن على القلوب التي تتصل والدعوات التي لا تنقطع وأخوة صادف الحظ أن أمهاتنا لم تلدهم إلا أن قلوبنا اختارتهم ليكونوا سندًا لنا وعونًا في كل الظروف مهما تبدلت. (المزيد…)

كافيتريا سكن الطلاب الذي أسكنه عصر اليوم وقت طعام الغذاء، حيث عاد جميع الطلاب إلى بلادهم لقضاء إجازة العيد وبقيت وحيدًا أنا والحارس.

العيد بعيدًا عن غزة

على عكس بقية الأصدقاء كان العيد الأول في الغربة دون أي اشتياق للبلاد وأجواء العيد في غزة، ببساطة كان أول يوم في العيد هو ثاني يوم في الغربة، وصلت إسطنبول الليلة التي سبقت صباح يوم عرفة، منهكًا من رحلة عذاب بين معبر رفح ومطار القاهرة وبينهما إرهاق تظلم الكلمات شدته. لا بأس، المهم أن يمضي المرء في طريق سلكها رغم الصعاب التي كانت وما زالت تحاصرها وتحاصره.

أخبرني الصديق الذي استضافني أن يوم عرفة صباح الغد وعلي أن أتسحر جيدًا لأن الصيام في هذه البلاد طويل ومرهق، لم أفكر في أن أناقشه في جدوى صيامي بعد أيام السفر هذه، ذهبت إلى النوم واستيقظت صباح عرفة صائمًا. (المزيد…)

إلى مهند بعد الخلاص

“يخبركم الله أن هذه اللعبة قد انتهت، وأنه لا يكترث بشأنكم، من شاء منكم فليستمر بالحياة ومن شاء فلينتحر.”

هذا ما كتبه الشاب مهند يونس في إحدى قصصه القصيرة المنشورة مؤخرًا، يفسر فيها قناعته التي وصل إليها منفذًا خياره وتاركًا لنا خياراتنا إذا أردنا الاستمرار في الحياة. الحقيقة أن مهند ذهب ولا مجال لعودته إلى غزة بعد الآن، نعم غزة التي لم يعرف من الدنيا غيرها ولَم يقتله سواها، ولن تكون هناك محاول أخرى من أصحابه لثنيه عن التوقف بالتفكير بالانتحار (المزيد…)

كيف عرفت الله؟ 

كثيرًا ما يسأل شيء ما بداخلنا السؤال الغريب “من هو الله” وهذا حق لكل مؤمن به أن يكون له إجابة تُشفي جزءًا من فضوله. سألته أول مرة عندما كنت في المدرسة الابتدائية، طرحته على شيخ المسجد الذي يحمل شهادة دكتوراة في العلوم الشرعية؛ فأخبرني بأن مثل هذا السؤال قد يشتت عقلي ويذهب بي لطرق غير سليمة، فمن الأفضل عدم التفكير فيه لأنه سيفتح أبوابًا يصعب إغلاقها. (المزيد…)

كاسترو في غزة

مات إذًا فيديل كاسترو، الزعيم الشيوعي الذي صمد خمسة وأربعين عاما أمام الولايات المتحدة وأمام الحصار الاقتصادي الذي فرضته على بلاده، لكن مازال كاسترو آخر يبعد آلاف الأميال عن كوبا يقبع تحت  حصار تفرضه “إسرائيل” على قطاع غزة منذ حوالي عشر سنوات. (المزيد…)

«شنّار» الشهداء في المخيم

عندما أدار حسن ظهره للفتية المشاغبين الذين تجمعهم لعبة الشنّار («الاستغماية» باللهجة المصرية) كل يوم، وبدأ يسكب الأعداد من فمه ببطء: «واحد، اثنان، ثلاثة، اشردوا.. خمسة»، لم يكن يعلم أنّنا سنتمنى لو أن هذه اللعبة استمرت إلى الأبد. تفرّق الأصدقاء من خلفه لاكتشاف مخابئ جديدة بين أزقة المخيم.
«…ثمانية، تسعة، عشرة». فَتح عينيه واستدار كمن يفتّش عن فريسته المشتهاة، فإذ به يلمح «الصقر» عماد، أسرع هارِبي لعبة الشنار على الإطلاق، بينما يحاول أن يخبِّئ ظله خلف «نخلة أبو أنور»، أطول نخلة في المخيم والذاكرة، يراها القادم من آخره ويأكل من رطبها كل الجيران. (المزيد…)

الضياع والحرب في غزة المدينة

خريف عام 2011 كان مدرس الكيمياء يشرح لنا عن المعادلات الكيميائية تارة ويتحدث عن الوضع السياسي للعالم العربي تارة أخرى، ويهاجم من يؤيد “ثورات الربيع العربي” خاصة تلك التي حدثت في ليبيا لأن الأستاذ عصام كان قد عمل مدرسا في فترة من حياته بالجمهورية الليبية وعاش من “نعيم القذافي”، كنت أستمتع جدًا عندما يتحول الحديث من الكيمياء اللعينة إلى السياسة الألعن ولكن لعنة السياسة تجذبني أكثر من بقية اللعنات. (المزيد…)

ما أكبر المخيم ..ما أبعد المدينة

شمالي مدينة غزة جنوبي فلسطين يقع أكبر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة وأكثر الأماكن اكتظاظًا في العالم، مخيم جباليا، ولدت هناك الابن الثاني لأب اسمه محمد وأم اسمها فلسطين، في منزل وسط المخيم أو كما نسميه “معسكر جباليا” تمامًا مقابل “بركة أبو راشد” أكبر معلم في المخيم وهي بركة كبيرة تتجمع فيها مياه الصرف الصحي التي يستخدمها سكان المخيم البالغ عددهم أكثر من108,000  لاجئ، درست الروضة والابتدائية والاعدادية في مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، والثانوية في مدارس حكومة أوسلو. (المزيد…)

عن المرض في الغربة

قد يستطيع المرء التغلّب على الكثير من الصعوبات التي تواجهه في غربته، فمع الزمن يبدأ الأصدقاء بملء بعض ما تركه الأهل من فراغات، لكنّ المرض هو الحالة الوحيدة التي يصعب على المغترب التأقلم معها، ليس فقط بسبب البعد وفقدان الرعاية، بل لأنّ ثقافة المرض تختلف من مكان لآخر، إذ لا يعطي كلّ الناس للمريض حقه. (المزيد…)

مشاهدات من حرب غزة الثالثة

بجوار ثلاجات الموتى في مستشفى “دار الشفاء” في غزّة عِشت أيام العدوان الإسرائيلي في تموز ٢٠١٤، ضمن طاقم فضائية “فلسطين اليوم”، وشهدت معهم واحداً وخمسين يوماً من أقسى أيام العمر.
أصوات سيارات الإسعاف تدوّي على مدار الساعة محمّلة بجثث للشهداء وأًناس نهشت الصواريخ الإسرائيلية أجسادهم، أخبار الموت لا تتوقف، والنازحون من القصف شرقي المدينة يفترشون الأرض من حولنا، يفتشون بين أصوات المذيع الذي يقرأ الأخبار العاجلة على الإذاعة عن خبر رُبّما يسر قلوبهم. (المزيد…)

“الفاخورة” مدرسة للشهداء

المئات من الشهداء كانوا قد سقطوا دفعة واحدة عندما كنا جلوسا في الصف الثامن بمدرسة الفاخورة بمخيم جباليا. وقتها كان الأستاذ رائد المقيد، قد أعد لنا نماذج تدريبية لامتحان اللغة العربية الذي كان مقررا بعد أسبوع واحد فقط لينتهي الفصل الدراسي الأول.

قاطعته أصوات الانفجارات الضخمة التي زلزلت المكان وتبعها تطاير شظايا زجاج الفصل وتساقطه على الطلاب،.صوت الانفجارات لم ينقطع لحظة والدخان يتصاعد في السماء من حولنا ونحن نهبط فارين من الطوابق العلوية إلى ساحة المدرسة محاولين العودة إلى البيوت بأسرع وقت ممكن لأن القصف كان أشبه بقيام الساعة.
عند بوابة المدرسة الجنوبية حاول أبو محمد، صاحب مقصف المدرسة وأبناؤه، أن يمنعونا من الخروج حتى نشتري الساندويشات التي أعدها للطلاب خلال يوم ظن أنه كبقية الأيام؛ دفعناه بأيدينا وخرجنا من المدرسة مسرعين ﻻ نعرف حتى الآن ما الخطب وأصوات سيارات الإسعاف تتزامن مع أصوات القصف والطلاب يركضون في شوارع المخيم ﻻ أحد يعرف إلى أين! (المزيد…)