شَخر صديقي الغزّي شخرته المعروفة خلال إحدى مكالمات الفيديو التي جمعتنا، وقال: “مين كان بتوقع يصير فينا هيك يخو؟، سؤال لم يجب عليه أحدٌ بعد وحوارات عديدة تتفتح كل يوم ضمن هذه المكالمات التي برزت خلال فترة الحجر المنزلي الذي يتبعه البشر حاليًا للوقاية من فيروس كوفيد ١٩، في الحقيقة لم نعطِ أنفسنا فرصة لمثل هذه المكالمات من قبل حتى أضحى الإنترنت وسيلتنا الوحيدة للوصول لكل شيء خارج إطار المنزل الآن، كذلك هو الأداة الأهم لحفظ ذاكرتنا عن هذه الفترة الفارقة في حياتنا، ربما لم ندرك أهميتها بعد، لكن كيف ستُروى سيرتنا هذه للأجيال القادمة يا تُرى؟ وهل  حقًا سنخبرهم أن أهم عمل بطولي قمنا به هو جلوسنا في البيت؟

زاد هذا النوع من الأسئلة التي لا يملك أحد مفاتيحها خلال فترة الحجر المنزل التي بدأت منذ حوالي شهر، لعل أبرزها سؤالإلى متى سنبقى في البيت؟، في المقابل، بدأت بالتعايش مع نظام الحياة الجديدهل يكون مؤقت؟الذي ربما يصبح لاحقًا ضمن عاداتنا اليومية، بدا هذا التعود في اختفاء حالةهلع التسوقالتي سيطرت علينا بداية الأمر، وعادت مدّة غسل اليدين بالصابون بشكلها الاعتيادي بعدما عاش معنا هوس الـعشرين ثانيةفي البداية، وحدث بعد شهر أن صافحت صديقًا كان يزورني بشكل أسبوعي بعد عدة مرات من تجنب مصافحته باليد، كذلك تقبل قضاء أيام متتالية في البيت، في الحقيقة إلى أين نخرج؟ كل شيء في الخارج مغلق والشوارع فارغة في مشهد موحش لم نشهده من قبل، حتى بات الخروج إلى الشارع يجلب الحزن لمشاهدة الفراغ يحتل الأزقة التي اعتدناها مملوءة.

إسطنبول في رسمة تجريدة

أن تسكن في مدينة كبرى كإسطنبول، يعني أن تفتح ذراعيك لقارتين فتحتضنهما مرة واحدة، وأن تعتاد على الازدحام وتلعن المواصلات وأصوات السيّارات، وأن تدافع الآلاف يوميًا للحصول على ما تريد، وهكذا يعيش أكثر من ١٨ مليون إنسان في المدينة التي تتقاسم الفراغ مع مدن العالم الأخرى، لكن أن يتفشى وباء كورونا فيها يعني أن يتلاشى هذا المشهد الكبير في غرفة صغيرة تصبح عالمك الوحيد، ويجيء إليك الحنين إلى تدافع الناس في زحام المدينة من جديد، هكذا تفرض علينا الحياة عروضها ذات الخيارين فقط، إما الإسهاب في العطاء أو التطرف في المنع وتسلب منّا خيارنا المفضل، أن نبقى في المنتصف.

في البداية، كان التأقلم على البقاء داخل داخل حدود المنزل شاقًا، اكتشفت خلاله كل شيء لم أنتبه له في البيت من قبل، وصارت غرفتي مكانًا للنوم والعمل والدراسة ومشاهدة الأفلام وقراءة الكتب ولعب الورقالشدّةومارسة الرياضة والضجر، كنت محظوظًا بوجود نافذة فيها تطل على الشارع مباشرة، وتعاونت مع أخي الذي يسكن معي على إعادة شُرفة المنزل إلى الحياة بعد هجرانها نهاية الصيف الماضي، أصبحت الشرفة الصغيرة مقهى واسعًا لشرب القهوة والاستماع للست أم كلثوم في المساء وتدخين النرجيلة، وتحولت إلى شارع طويل أمشي فيه وأرفع رأسي للسماء لأرى الغيوم أو النجوم التي كادت أن تختفي من قاموس عيوننا

50209ade09c1838a43a38407878b7786

 “عندما تكون في السجن تكون لك أمنية واحدة هي الحرية، وعندما تمرض في السجن لاتفكر بالحرية، وإنما بالصحة، الصحة إذن تسبق الحرية، لعل هذا الوصف للرئيس البوسني السابق علي عزت بيجوفيتش أفضل وصف لتضحيتنا بالحرية من أجل الحفاظ على الصحة، ذكر هذا في كتابههروبي إلى الحريةليلخص حال من يهربون من الحرية إلى الصحة، هذا حالنا باختصار الآن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s