نيقوسيا، مدينة فريدة في محيطها، وقد تعجز عن إدراك غرابتها قبل زيارتها. فالمدن المقسّمة لا تُفهم من بعيد ولا يزول ضبابها إلا عندما تسير في أزقتها وتقرأ حكايتها. في الآتي واحدة منها وعنها، من منظور شاب فلسطيني خرج من غزة قبل خمس سنوات إلى إسطنبول.

آتيةً من العاصمة التركية التاريخية والاقتصادية، هبطت الطائرة في مطار إرجان في الجانب التركي من مدينة نيقوسيا ذات يوم من شهر شباط/فبراير ٢٠٢٠. مطار هادئ كما كل شيء في شمال نيقوسيا، فلا تأتيه إلا الطائرات التركية، ولا تقلع منه طائرة إلا باتجاه الدولة الوحيدة في العالم (تركيا) التي تعترف بجمهورية شمال قبرص حيث يقطن القبارصة الأتراك منذ انقسام الجزيرة في ١٩٧٤.

cyprus-divided-peace-nicosia (4)

لم تأخذ عملية ختم جواز السفر سوى دقائق معدودة في المطار شبه الفارغ. أطفأ الموظفون سجائرهم عند هبوط الطائرة ليعودوا إلى مكاتبهم استئنافاً للعمل على مكاتب خشبية صغيرة وكراسي بلاستيكية تبدو قديمة. وعلى الحائط، صورة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، التي سأجدها بالإضافة إلى تماثيل أخرى له، في أماكن عدة في القسم التركي من الجزيرة، خصوصاً في الميادين ومراكز المدن.

سأعرف لاحقاً أنّ السكان هنا يقفون دقيقة صمت عند الساعة التاسعة وخمس دقائق صباح العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، حداداً على وفاة أتاتورك، كما هو الحال تماماً في مدن الجمهورية التركية. وسأتبيّن في ما بعد أنّ أموراً أخرى لن تتغيّر على الآتي من اسطنبول، خاصة أنّ الناس هنا يتحدثون اللغة التركية ويتعاملون بالليرة التركية كذلك.

تشابه وحنين

لا بدّ أنّ مدن الحوض المتوسطي تتشابه في ما بينها. فبرغم أنّ نيقوسيا كلها بعيدة نسبياً عن البحر وتعدّ مدينة داخلية، لكنّ شعوراً فريداً بدفء التشابه مع غزة وصلني عندما سارت بنا الحافلة من المطار إلى داخل المدينة، وكانت زهرة الحنّون (شقائق النعمان) تنتشر على جوانب الطريق الطويل… لم أرَ الحنّون منذ خرجت من فلسطين قبل أعوام، إذ إنّها موجودة بكثرة في دول البحر المتوسط الذي عدت للقائه مجدداً بعد غياب.

تفاصيل أخرى ستتراكم خلال الزيارة. فلم تكن مثلاً رؤية حبات البرتقال تتساقط من الأشجار في باحات بيوت المدينة بالأمر العادي، وهذا مشهد لم تعتد عليه بيوت إسطنبول. (كذلك، لفت انتباهي حرص مطاعم المدينة على تقديم طبق صغير من الزيتون المكبوس مع زيت الزيتون ذي الرائحة منقطعة النظير قبل الإتيان بالوجبة الرئيسة، وهذا التقليد متبع في غزة كذلك).

kids-watch-tower

في الأثناء، كانت الحافلة تكمل مسيرها على الجانب الأيسر من الطريق، وهذا تقليد بريطاني قديم بقي أثره بعد رحيل الاستعمار البريطاني عن الجزيرة، وبعد انقسامها. وقد أدارت “بريطانيا العظمى”، وحكمت، هذه الجزيرة منذ القرن الثامن عشر بعدما تنازلت لها الدولة العثمانية عنها في مقابل مساعدتها بدفع الخطر الروسي خلال فترة الحروب الروسية-العثمانية (ألغت بريطانيا هذه المعاهدة خلال الحرب العالمية الأولى وأعلنت في 1925 أن قبرص “مستعمرة ملكية”).

كأنّ آثار الاستعمار توقد بعض جوانب الذاكرة بدورها: ألم يذهب الاستعمار البريطاني بفلسطين أيضاً؟ وثمة من يقول إنّ الأزمة القبرصية ليست وليدة التنافس التركي-اليوناني بقدر ما هي صورة عن أزمات بناء دول ما بعد الاستعمار، وبخاصة البريطاني.

بأي حال، قد يكون مناسباً هنا استذكار الشاعر اللبناني بول شاوول الذي عاش في القسم الجنوبي/اليوناني من نيقوسيا بين نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بقوله:

“كيف أسميها، كل هذه الحروب

كيف أسميها، المدن المحروقة”.

المدينة من الداخل

أن تدخل نيقوسيا من الجانب التركي يعني أن تدخل نصف مدينة، أن ترى نصف تاريخ، أن تسمع نصف حكاية، وأن تقابل نصف الناس. بين هذه الأنصاف مجتمعة، تبقى القصة المكتملة غائبة، لولا أن حاول صديقان لي أتيا من نصفها الآخر إكمال هذا النقص.

ذهبنا معاً إلى الخط الأخضر الذي يقسم الجزيرة إلى قسمين، يوناني وتركي. هناك تقع المنطقة العازلة منزوعة السلاح “Buffer Zone” وتحرسها قوات الأمم المتحدة (سترى بوضوح سيارات الأمم المتحدة الملوّنة بالأبيض والأزرق وشعارها على جدران المكان، في مشهد يعيد إلى الذاكرة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الممتلئة بهذه الشعارات).

buffer

كأنّ نيقوسيا في هذه المنطقة “هامش في القصيدة”، اقتباساً من الشاعر محمود درويش في قصيدته لصاحبه الشاعر والروائي السوري سليم بركات:

“نيقوسيا هوامِشُ في قصيدته،

ككل مدينةٍ أخرى. على درّاجةٍ

حمل الجهاتِ، وقال: اَسْكُنُ أَينما

وَقَعَتْ بيَ الجهةُ الاخيرةُ”.

لا تتبع هذه النقطة من نيقوسيا إلى ليفكوسيا (تسميتها اليونانية) ولا إلى لفكوشا (تسميتها التركية)، وفيها التقى قبل عام رئيس قبرص اليونانية نيكوس اناستاسياديس برئيس قبرص التركية مصطفى اكينجي برعاية الأمم المتحدة.

داخل هذه المنطقة ثمة بيت ثقافي مشترك يسمى “بيت التعاون”. تأسس عام 2011 ويتجمع داخله من يتعذر عليهم العبور بين الجهتين، فيتبادلون الأنشطة دون قيود في محاولة لإكمال النصف الآخر من المدينة المقسومة. هناك شربنا قهوتنا بينما نستمع إلى قصة المكان ودوره في لمّ شمل من شتتهم الحروب والسياسة تحت سقف واحد. تُعزف فيه الموسيقى غير مبالية بكل ما حدث ويحدث من صراعات حوله.

قهوة “مرفوضة”

على بعد أمتار قليلة من “بيت التعاون” توجد بوابة الدخول إلى الجزء اليوناني من قبرص. أخبرت صديقيّ بأنني سأطلب من الحراس الموجودين هناك أن يسمحوا لنا بشرب فنجان قهوة تحت أعينهم ولكن من الجانب الآخر للخط الأخضر. ضحكا ولكن بدا عليهما شعور الدهشة حينما شاهداني أمضي باتجاه البوابة.

cyprus-divided-peace-nicosia (3)

هناك، ألقيت السلام على الموظفة وأخبرتها بأنني فلسطيني قادم من تركيا ولي أصدقاء يعيشون في القسم اليوناني من نيقوسيا ونرغب في شرب فنجان قهوة يتيم معاً. استغربت الموظفة الطلب، لكنها ابتسمت وحاولت شرح الأمر: “نحن نرحب بك كفلسطيني في جزيرة قبرص، لكن للأسف القانون لا يسمح لك بالدخول إلى الجزء اليوناني لأنك قادم من مطار تحت الاحتلال، وهي تقصد هنا مطار أرجان، ولكن جرّب في المرة المقبلة الحصول على تأشيرة الاتحاد الأوروبي-شنغن”، قبل أن يقطع صوتها ضابط آخر يغلي قهوته على مكتبه ويصرخ بصوت عالٍ: “هاي هاي أنت أنت.. إذهب من هنا بسرعة”.

ابتسمت لها وشتمت ذلك الضابط بسرّي وعدت خائباً إلى صديقيّ اللذين كانا يراقبان المشهد من قرب. ومن دون تنسيق، رددنا رائعة مارسيل خليفة: “وقفوني ع الحدود.. قال بدّن هويتي”.

قضينا بقية ذلك اليوم معاً نتمشى في حارات شمال نيقوسيا القديمة، عابرين حارة “عرب أحمد” المسماة على اسم أحمد العربي باشا الذي شغل منصب قائد الجيش العثماني في قبرص، وسكنه لاحقاً الأرمن الفارين من تركيا.

bufferzonegreenline00030

يتسرب إلى داخلك شيء من الغرابة عند السير في أزقة هذا الحي المعقّد كما كل شيء في شمال نيقوسيا. بيوته القديمة ورسومات أهل الحي على الجدران، ومن بينها غرافيتي لمصطفى كمال أتاتورك شبيهة بصورته المعلّقة إلى حائط المطار.

سأعود إلى ذاك المطار في اليوم التالي لأرجع إلى اسطنبول بعد هذه الزيارة الخاطفة التي دامت أربعة أيام وتمكنت خلالها من زيارة الشواطئ الشمالية لهذه الجزيرة… حاملاً معي من السوق القديمة أوراق نبتة الخبيزة التي تنمو في حوض البحر المتوسط لأصدقائي البعيدين عن المتوسط في إسطنبول.

من نافذة الطائرة، كانت تظهر جبال جزيرة قبرص كأنّها في مواجهة البحر المتوسط، وكانت نيقوسيا كلّها تتقلص كلما حلّقنا في السماء، وتختفي عن النظر مدينة أحيت ذاكرتي وأوقدت حنيناً لعلّه يذكّر بقول الروائي التشيكي ميلان كونديرا: “تنير غيوم الغسق البرتقالية كل شيء بسحر الحنين، حتى المقصلة”.

  • مصدر الصور : هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s