درجة الحرارة ٢° في الخارج، الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، أمشي في طريقي إلى مكتبة الجامعة في محاولة لإنهاء الدراسة لاختبار مساق “الإدراك البصري” في الصباح الباكر، مساق جميل لكنه يحتاج إلى ذائقة فنية غير متوفرة لدي، لكن لم يعد بوسعي فعل شيء، لم يتبق سوى ساعات قليلة على مواجهة ورقة الاختبار. 

في الطريق من البيت إلى الجامعة تذكرت والدي عندما كان يمسك بيدي في نفس الوقت وهو يصحبني إلى عيادة الدكتور أحمد عوض الله في مخيم جباليا، لوضع حدٍ للوجع الذي تعودنا – والدي، الدكتور، وأنا- لسنوات طويلة، حيث أخبر الدكتور أحمد والدي أن لا يشعر بحرج والاتصال به عندما يحتاج الأمر لذلك، فبيته كان قريبًا من عيادته القديمة، ثم أصبحت تحت البيت لاحقًا. 

اتصل والدي بالدكتور أحمد في الكثير من الليالي، صيفًا وشتاءً ليخبره بأننا في الطريق إليه، وعندما نصل نجده ينتظرنا في عيادته مرتديا روبه ونظارته، يعتذر منه والدي في كل مرة على هذه “الغلبة” التي تسببنا له بها، لكنه كان يرحب بذلك في كل مرة بابتسامة يتبعها بالقول: “ولا يهمك.. هذا ياسر حبيبي”، ويرد عليه والدي: “وحبيبي أنا أيضًا”، أما أنا فأحاول رسم ابتسامة على وجهي رغم كل ذلك الوجع. 

نعلم ثلاثتنا عن هذا الوجع الكثير، فكانت علاقتي بأذني سيئة ومتوترة دائمًا، ولم أكن أحبها حتى بلغت سن الخامسة عشر وأجريت عملية وضعت حدًا لهذا الوجع، حيث لم يُسمح بإجرائها قبل ذلك العُمر، فكان الدكتور أحمد مُنقذي في كل مرة، يضع مصباحًا على رأسه ليضيء به داخل أذني ويفحصها، ثم يملأ مِحقنته “Metal Ear Syringe” بالماء ويضخه داخلها، ويُعيد سحبها مرة أخرى وينتهي الوجع إلى هنا، وقتها كنت أشعر أن بحرًا هائجًا داخل أذني وتوقفت أمواجه عن الحركة بمجرد انتهاء الأمر. 

لا أستطيع تذكر عدد المرات التي زُرت فيها عيادة الدكتور أحمد التي كانت تصل إلى أكثر من مرتين في الشهر، لكن لا تزال ذاكرتي تحتفظ بالزيارات الليلة على وجه الخصوص، وأنا مُمتن إلى اليوم للدكتور أحمد في كل مرة خفف عني هذا الوجع الذي كان سبب الأرق الوحيد في طفولتي، لم تكن طفولة عادية مع ألم الأذن. 

قبل أيام، وبعد حوالي عشر أعوام على آخر مرة زُرت فيها عيادته، أوصل إليّ والدي السلام من الدكتور أحمد الذي صادفه في المخيم، رُبما يكون هذا السلام عابرًا، لكنه بالنسبة لي يعني الكثير، فالسلام على الدكتور أحمد عُمر عوض الله في عيادته وفي في كل مكان. 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s