“أكل الأتراك بشبه أكلنا” تتردد هذه العبارة على ألسنة العديد من الزوار العرب الذين زاروا تركيا، لكن يختلف معهم العربي المُقيم فيها، فهو يعرف تمامًا الفرق بين المطبخ التركي والمطبخ العربي، وأذكر أن صديقًا زارنا من العاصمة أنقرة في رحلة بالحافلة استمرت ست ساعات قاصدًا مطعم فلافل فلسطيني في إسطنبول، واختصارًا يمكن القول أن المطبخين يتشابهان في أسماء بعض الأكلات وفكرتها العامة فقط، أما الطعم وطريقة التحضير ومِقدار المِلح والبهارات وغيرها فمختلفٌ تمامًا، ويرفض التصالح معها الشخص “الوِدف” في طعامه مثلي تمامًا. 

الآن ونحن على أبواب العام ٢٠٢٠ يكاد يصبح عدد المقيمين العرب في إسطنبول أكثر من مليون شخص، هذا الرقم الكبير جعل الحاجة إلى وجود المطاعم العربية أولوية للمجتمع العربي في المدينة، فلا غربة طعام هنا، ومع الوقت صار الواحد منّا يكتفي بمشوار واحد إلى حي الفاتح وسط المدينة ليأكل ما يشتهي من الأكل العربي على مختلف أطباقه ووصفاته، حتى إن بعض المطاعم تحمل أسماء مدنٍ عربية بعينها وتتخصص في أطباقها، فنجد مطعم فلافل يحمل اسم مدينة غزة وآخرًا كتب على بابه “يوجد لدنيا شاورما غزاوية” أو “متوفر لدينا “حُمص الخزندار الأصلي” ولمن لا يعرفه فهو واحد من أطيب محلات الحُمص في مدينة غزة، كذلك “مطعم القاهرة” و “المطعم الموصلي” و”الدمشقي” و”حضرموت”، ويتذكر من عاش إسطنبول قبل أربع سنوات “مطعم بيروت” الشهير  في حي يوسف باشا الذي كان واحد من المطاعم العربية القليلة التي تقدم طعامًا عربيًا حقيقًا في وقتها، لكنه أغلق أبوابه لاحقًا وفتح مكانه محلًا للملابس الداخلية الاكسسوارات. 

سبانخ باللبن

أقمت في عامي الأول هنا في حي بعيد عن مركز المدينة، ولم تكن فكرة الذهاب إلى مطعم عربي بالشيء السهل، فكان لا بد من التصالح مع الأكل التركي الذي بدا غريبًا في البداية لكنه اليوم -بعد خمس سنوات- صار جزءًا أساسيًا من يومي، بل أذهب في بعض المرّات خصوصًا إلى مطعم بعيد يطبخ أكلات تركية تقليدية بشكل مُتقن.

لم يكن تقبل الأمر بالشيء السهل، وكنت أتساءل دومًا كيف يقبل النّاس أن يأكلوا السبانخ مغموسًا باللبن؟ ولماذا يصطف الأتراك طابورًا أمام رجل يبيع السمك الممتلئ برائحة البنزين المخلوط بماء البحر قبالة أماكن اصطفاف السفن في مضيق البسفور؟ وهل من المنطقي أن لا يحتوي الكباب على البقدونس والبصل؟ 

وأتذكر ردة فعلي عندما أكلت الكبة النية Çiğ köfte لأول مرة داخل محل يبيعها في محطة المترو، حين سألت صديقي مكونات هذه الأكلة الغريبة، وأجابني بأنها أكلة شعبية مشهورة هنا وطعمها لذيذ ويجب عليّ تجربتها، وعن مكوناتها فهي تحتوي على برغل الكبة الأسمر ودبس الرمان وأشياء أخرى معجونة معًا، كانت تؤكل سابقًا مع اللحم النيء لكن تم حظره لاحقًا لأسباب صحية. تحمست للأمر وقلت لنفسي أن تقبل الأكل يعني تقبل بقية الأشياء الغريبة هنا، لكن ما لم أعرفه أني سأقذف باللقمة الأولى منها في ممرات مترو كوجاتيبي، وأشرب الماء سريعًا لمحو الطعم من فمي.. الآن أتذكر ذلك الموقف في كل مرة أذهب لمحل الـ Çiğ köfte وأدفع المال مقابل الحصول عليها. 

طبخة أولى

لم تكن فكرة الطبخ واردة في السنوات الثلاثة الأولى هنا، حيث كنت أسكن في سكنات طلابية جامعية يأكل فيها الطلاب في مواعيد محددة من طعام يُطهى داخليًا من قبل “طباخ السكن” ويمنع الطلاب من صنع الطعام داخل غرفهم تجنبًا للحرائق وانتشار رائحة الطعام، فكان انتقال صديقي طلال إلى بيت مع طلاب آخرين فرصة عظيمة لتجربة الطبخ، وكما تعلمون أن هوية الفلسطيني في مقلوبته، كان لا بد أن تكون تجربتنا الأولى في الطهي “مقلوبة”، ومن المُسلمات أنه لا طلال ولا أنا نعرف من المطبخ إلا سرقة قطع اللحم من حِلل الطبخ بينما تحضّره أمهاتنا. 

اتصلت على أُمي لطلب المساعدة لكنها لم ترد، وأسعفتنا أم طلال بطريقة التحضير، ولكن في النهاية خرجت لنا طبخة يمكن أن تشبه أي شيء إلا المقلوبة، لكننا اضطررنا لأكلها والمدح فيها لسببين أولهما الجوع وثانيهما أن طلال دعا صديقه السوري إلى البيت لتجربة درة سنام المطبخ الفلسطيني من أصحابه، وأظن أنه ندم على ذلك، ويذكر إلى اليوم هذه الأكلة الغريبة التي سمع عنها كثيرًا بالخير.

كما تعلمون، لا يبقى شيء على حاله، فمنذ سنة تقريبًا، بدأت تجريب الطبخ في مطبخي الصغير الذي صارت تخرج منه نتائج مقبولة نسبيًا مع إحساس دائم أن شيئًا ما غير مُتقن، مرة في البهارات وأخرى في المقادير وأخرى تحتاج إلى لمسة البركة من إحدى الأمهات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s